هنا إفريقيا | حكاية كأس الأمم 1974.. وعد السادات وجحيم موبوتو وغارات إسرائيل

«المباراة التي لا أنساها أمم إفريقيا 1974 في ربع النهائي أمام زائير فوزنا بهدفين لكن حصل إصابة لأحد اللاعبين في منتخب مصر، وبعد استكمال المباراة خسرنا 3-2 وهي أكتر مناسبة حزنت فيها».

حسن شحاته المدير الفني التاريخي لمنتخب مصر.

بأدرينالين يكفي لأن تعبر الأمة المصرية كل ما كان صعباً، بعد نصراً مبيناً على إسرائيل في حرب الـ 6 من أكتوبر 1974، قرر الرئيس المصري محمد أنور السادات أن تعود مصر من جديد إلى أحضان إفريقيا من خلال كرة القدم، في تلك الفترة لم تشهد مصر أي نشاطات رياضية كان الدوري العام قدم تم إلغاءه كما أنه لم يكن مستقراً في السنوات التي سبقت ذلك العام، لكن الرئيس السادات كان يرى ضرورة أن تكون الحياة بصورة طبيعية.

في الصباح أمسك السادات الذي كان يجمع بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بالهاتف وأجرى اتصالاً هاتفياً بالدكتور عبد العزيز حجازي، النائب الأول يعرض عليه فكرة تنظيم بطولة الأمم الإفريقية في مصر، كان الأمر غريباً خاصة وأن النشاط متوقف حتى وزارة السادات لم تعين أي مسؤول عن الرياضة في مصر.

لم تلقى الفكرة ترحيباً لدى الدكتور عبد العزيز حجازي لكن الأمر كان قد صدر حتى أن الرئيس السادات نفسه عرض التدخل والتواصل مع رؤساء الفرق الإفريقية الكبرى للمشاركة، أما في الداخل فكل ما عليهم فقط أن يعيدوا تشكيل المنتخب من جديد.

تشكيل المنتخب كانت تضم، أسماء كبيرة ربما هو أحد الأجيال التي ضمت أفضل وأهم لاعبي الكرة في تاريخ مصر، «علي أبوجريشة ومحمود الخطيب وعلي خليل وحسن شحاته وفاروق جعفر وسيد عبد الرازق «بازوكا» وحسن علي حارس الترسانة وإكرامي وهاني مصطفى وجمال عبد العظيم وطه بصري، وحسن الشاذلي ومصطفى رياض» أسماء هي الأبرز ربما في إفريقيا نفسها ذلك التوقيت.

رغم كل هذه الأسماء لم يكن للكرة المصرية أي تاريخ دولي في تلك الفترة «الحربين» هي الإجابة الأكثر دقة منذ 1967 ونكسة يونيو  وحتى ما بعد حرب أكتوبر 1973 كل تلك الفترة كان سبباً في إهدار العديد من المواهب المصرية، حتى أن المباريات الوحيدة المتاحة كانت بين لاعبي مصر وبعضهم لم يكن لدى أحد القدرة على الخروج واللعب حتى مباراة ودية في الخارج.

أنهى حجازي اجتماعه وخرج ليبدأ خطوات تنظيم البطولة، في اتحاد الكرة كان الأمر أكثر اندهاشا اتصالا من مجلس الوزراء إلى محمد حلمي «الرئيس التاريخي لنادي الزمالك» والذي كان مسؤولاً عن اتحاد الكرة كما عين مديرا للمنتخب القومي وظل مرتبطا بالعمل في اتحاد الكرة على فترات متفاوتة كرئيس للجنة المسابقات واللجنة الفنية.

هننظم بطولة إفريقيا؟ تسائل زامورا في إندهاش لكن الأمر كان قد صدر بدأ على الفور تجميع أبرز اللاعبين في مصر ما بين الجيل الكبير والذي يقوده حسن شحاته، وعلي أبوجريشة وفي الشباب محمود الخطيب ومصطفى عبده.

على الجانب الأخر كان السادات يقوم بدوراً أخر، الطريق الوحيد لإقناع الفرق الإفريقية المشاركة في البطولة أن تبحث عن المنتخب الأبرز في القارة وتدفعه للمشاركة، كانت «زائير» هي المسيطرة على إفريقيا في هذه الفترة وتلعب في كأس العالم لكن مشكلة كبيرة بين البلدين.

قطع الرئيس جمال عبد الناصر علاقته بزائير بسبب تأييده  لـ باتريس لومومبا على حساب موبوتو الذي قاد انقلاباً واستولى على السلطة.

اتصل السادات بنفسه بموبوتو سيسيسيكو شخصيا واستضافة في احتفالية خاصة بأبطال حرب أكتوبر، وطلب منه أن يلعب منتخب زائري في بطولة إفريقيا التي تنوي مصر استضافتها.

ثم بدأت اتصالات مباشرة مع 7 بعثات إفريقية لتشارك في البطولة، وتم تحديد ثلاث مدن كبرى هي القاهرة، الإسكندرية ودمنهور، ثلاث مدن يفصل أقربها من قلب استاد القاهرة حوالي 110 كيلو متر عن تمركز الدبابات الإسرائيلية القاطعة لطريق السويس إضافة إلى خطوط الدفاع الجوي المنهكة تماما والتي قد لا تستطيع مقاومة أي غارات إسرائيلية.

 لم يشك أحد أن للبطولة أبعاد سياسية أي كانت النتائج لكن الجمهور المصري كان متلهفاً للمشاركة والتشجيع والهتاف بدافع الحس الوطني والمخزون الكبير ما بعد انتصار أكتوبر.

نجحت جهود السادات في وبدأت تشكيل المجموعات فضمت المجموعة الأولى مصر وزامبيا وكوت ديفوار وأوغندا وضمت المجموعة الثانية زائير والكونغو وغينيا وموريشيوس في ذلك الوقت كان مستر بابي المدير الفني الألماني لمنتخب مصر يحاول تجهيز لاعيبه استعداداً للمباريات.

حقق المنتخب المصري الفوز في مباراته الأولى أمام أوغندا 2/1 عن طريق علي أبو جريشة وعلي خليل، وحقق الفوز على زامبيا 3/1 بأهداف طه بصري وجمال عبد العظيم وعلي أبوجريشة.

وفي ختام مباريات الدور الأول حقق المنتخب المصري الفوز على كوت ديفوار بهدفين دون رد عن طريق حسن الشاذلي وعلي خليل، لكن حكاية طريفة يرويها حسن شحاته هنا: «زائير كانت قوية وكنا سنلعب مع ساحل العاجل وقتها مستر كرامر المشرف على البطولة جاء لنا لأنه صديق للمدير الفني للمنتخب تحدث معنا وطلب منا أن نخسر من كوت ديفوار حتى لا نلعب ضد زائير القوية جداً».

يتابع شحاته :«كان رأيه أن نكون ثاني المجموعة لأن المجموعة الثانية كان الأول الكونغو برازفيل والثاني زائير لكي نتجنب مواجهتها يجب أن نخسر لكن قامت الدنيا ولم تقعد كيف نخسر ، على ملعبنا والبطولة ستفشل رفضنا وفوزنا على كوت ديفوار لكننا اصطدمنا بزائير».

ويضيف المدير الفني السابق لمصر وأحد قادة منتخب 1974 :«لعبنا مع زائير وكنا فائزين بهدفين للاشئ حتى أصيب مدافع مصر القوي محمد توفيق وتمكنت زائير من هدفين وتعادلوا ثم أحرزوا الهدف الثالث».

كانت الأحزان أكثر مما يتخيل أحد في محافظات مصر وقتها، ومن بين الحكايات الغريبة هنا ما يروى عن «زائير» أن أحد المسؤولين الكبار وصل إلى الإسكندرية مقر إقامة المنتخب الزائيري ومعه 23 ظرفاً وحقائب بها أموال ومعه رسالة مفادها «إن عدتم بالكأس فتلك الحقائب ستكون لكم، وإن خسرتوها فلن تعودوا للبلاد مجددا»، وهو ما رواه مهاجم زائير فيما بعد فيليب مايانجا، ومن حسن حظهم أنهم حصدوا اللقب بالفعل.

كان يتولى تدريب منتخب زائير في ذلك الوقت المدرب التشيكسلوفاكي بلاجوي فيدينيتش

وقائمة الفريق تضم :«موامبا كازادي – توبيلاندا نديمي – لوبيلو بوبا – بوانجا تشيمين – ويبو لونجو – كيمبو اوبا كيمبو – كافيولا نجوي – كيبونجي مافو – مافوبا مافيولا – مايانجا ماكو – كيدومو مانتونتو – موانزا موكومبو – تشينابو واموندا – تاتي مبيونجو – مبيونجو ايكوفا – كاكوكو اتيبي – مانا ماميوني – نداي مالامبا».

كما أن كل شئ في البطولة كان استثنائياً فكان طبيعي أن يكون النهائي استثنائياً فأقيم مرتين اللقاء الأول يوم 12 مارس على استاد القاهرة، وأدار المباراة الحكم الليبي سعد جمار، وانتهى الوقت الأصلي للقاء بالتعادل بهدف لكل منهما، ولجأ المنتخبان للوقت الإضافي الذي انتهى بالتعادل 2-2، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك لجوء لركلات الترجيح كما هو الآن وتم الاتفاق على إقامة مباراة أخرى.

أما المباراة الثانية أقيمت يوم 14 مارس وأدارها نفس الحكم أيضًا واستطاع منتخب زائير أن يفوز بهدفين دون رد ويتوج باللقب لأول مرة في تاريخه واستطاع نداي مالامبا نجم منتخب زائير أن يحصل على لقب الهداف، بعد أن سجل 9 أهداف وهو رقم لم يتمكن أي لاعب من تحقيقه في بطولة واحدة حتى الآن.

 

أما مصر اكتفت بالحصول على الميدالية البرونزية وفوز حسن شحاته بأفضل لاعب في البطولة في حين حقق فريق زائير الفوز باللقب بعد الفوز على زامبيا 2/0 في اللقاء المعاد بعد نهاية المباراة الأولى بالتعادل 2/2 حيث كانت اللوائح أنداك تقضي بإعادة اللقاء في حالة التعادل.

 

-الإعلانات-