يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم

«أغايةُ الدِّينِ أن تحفُّوا شواربكم.. يا أمةً ضحكتْ من جهلها الأمم»

هذا البيت كتبه الشاعر العظيم «أبوالطيب المتنبى» من ألف عام، ليلوم على المصريين أنهم يهتمون بالمظهر ولا ينظرون إلى جوهر الأشياء، ويأخذون من الدين مظهره وحفّ شواربهم ولا يعملون بأصله وجوهره، لأنهم لو عملوا وصدقوا وأخلصوا لما ضحكت من جهلهم الأمم.

خرجنا بشكلٍ مخزٍ من كأس العالم ولا نستحق حتى (شرف) التمثيل، ورغم ذلك لا تجد أحداً يقول لك السبب الحقيقى، أو يكون هناك «مسؤول محترم» يتحمل المسؤولية ويستقيل، أو وزير جرىء يحقق ولو مجرد التحقيق. ولكنك تجد العشرات من الصحفيين والإعلاميين يذرون الرماد فى العيون حتى يحجبوا عن الناس رؤية الحقيقة، لأنهم – بأسف – جزء من فساد المشهد، ومشاركون ومستفيدون من استمرار منظومة الإدارة وإبقاء الوضع على ما هو عليه.

فإذا علمنا أن هناك ما يقرب من ٤٠ صحفيا وإعلاميا سافروا إلى روسيا على حساب الشركة الراعية لاتحاد الكرة، أو على وجه الدقة الشركة التى أوكل هانى أبوريدة لرئيسها محمد كامل إدارة شؤون اللعبة وتسويق المنتخب والمتاجرة فى لاعبيه.. فإذا علمنا أن عيون الشعب وصحافته وإعلامه يتنزهون فى روسيا ولم يقتربوا من معسكر المنتخب لأداء واجبهم ومتابعة عملهم ونقل الحقيقة، بدلاً من تركنا نردد الشائعات التى تطير على السوشيال ميديا.. للدرجة التى دفعت كرم كردى، عضو مجلس الإدارة، لأن يعايرهم على الهواء فى برنامج تليفزيونى قائلاً: «إحنا كاتحاد كرة قمنا بعملنا إنما المهم الإعلاميين والصحفيين يقوموا بعملهم ويتابعوا المنتخب عن قرب بدل ما هم قاعدين فى مدينة سان بطرسبيرج».

ولأننا (أمة ضحكت من جهلها الأمم)، لذلك تجدنا نتعاطى ونتفاعل مع أزمات ومشاكل وهمية تلهينا عن الحقيقة، وبعد هزيمتنا المخزية أمام روسيا وتأكُّد خروجنا من المونديال على الفور، أطلقت «قنابل الدخان» للتعمية والتهليل على أمور تافهة وهامشية، مثل وفد الفنانين الذى تواجد فى روسيا على حساب إحدى الشركات الإعلانية (بالمناسبة هذا ليس عيبا أو سُبة، وهو أمر يحدث مع كل فنانى ونجوم العالم) وهو الوفد الذى بات بين يوم وليلة المسؤول الأول عن خروجنا، ووجدت برامج تليفزيونية سياسية تناقش القضية باعتبارها حدثا كبيرا وضخما، وتفتح التليفونات لرأى الجماهير، لنترك الموضوع الأصلى ويتحول للحديث عن أجور الفنانين الضخمة وبُخلهم وسفرهم على حساب شركة إعلانية.. وظنى أنها قنابل دخان مدروسة لتشتيت التركيز وتوزيع التهم حتى يهرب الجناة الحقيقيون، فالفنانون لم يكونوا ليذهبوا فندق المنتخب ويلتقطوا الصور مع اللاعبين فى غرفهم (لو كان صحيحاً) لولا أن إدارة المنتخب ومجلس إدارته موافقون، فالعيب ليس فى الفنانين بل فى إدارة المنتخب.

وأتبعت قنبلة دخان الفنانين قنبلة أخرى، اسمها «بقاء أو رحيل كوبر»، وتركونا نختلف ونتفق ونتعارك بين فريق يحمّله المسؤولية، وفريق ضعيف يثنى عليه، وبين اتحاد يلمح إلى أنه سيبقى ليزداد هياج الناس وثورة عجزهم الوهمية على مواقع التواصل مطالبين برحيله، وكأن الرجل هو وحده سبب أزمتنا (ووكستنا)، وعندما يرحل، يظن الناس أن المشكلة قد حُلت، وأن أزمتنا قد «فُرجت»، وأن الكرة ستزدهر، وأن الحال سينصلح «وتوتة توتة فرغت الحدوتة.. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.. حلوه ولا ملتوتة؟».

لكن الحدوتة لم تنته، لأن هذه كلها ليست الأسباب الحقيقية لخروجنا و(وكستنا الكروية التى لا تنتهى)، بالمناسبة ليس لدى مانع أن نخسر أو نخرج من البطولة، فكرة القدم مكسب وخسارة، ولكن ما يهمنى أن نفعل ما علينا، ويبقى التوفيق من عند الله، والواقع أننا لم نفعل شيئاً واحداً وصادقاً ونزيهاً مما علينا، وأن المجموعة التى تدير شؤون الكرة فى بلدنا ما هى إلا إعادة إنتاج لوجوه عاشت وترعرعت فى عصور المحسوبية والفساد والفهلوة والسمسرة والضحك على الدقون، راجعوا قائمة الأسماء ستجدون أن كرة القدم هى الوحيدة التى لم يشملها التغيير ولم تقترب منها رياح الحركة، وحتى عندما ألقت علينا الرياح بشخصيات من خارج منظومة عصر مبارك: «جمال علام رئيس اتحاد الكرة والمهندس محمود طاهر رئيس الأهلى»، فالاثنان يشهد لهما الجميع بالاحترام والنزاهة والشرف ونظافة اليد والحياد، طارت رأساهما سريعاً ولفظهما مجتمع الفساد الرياضى، ولم يشفع لجمال علام أنه كان سبباً فى إعادة إصلاح مسار الكرة وعودة المنتخب للمنافسات الأفريقية والعالمية ليعود دكان الكرة لأصحابه الأصليين.

فالمشهد الآن لا يختلف عن ٢٠١٠.. نفس الأشخاص، ونفس الوجوه هم من يديرون اللعبة.

الفساد الذى نعيشه الآن ليس وليد اللحظة أو الحدث، بل هو امتداد لجذور تاريخية.. هل تذكرون شلة الغردقة؟ (إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة الأهرام، رحمه الله، توفى خارج البلاد- حسن حمدى رئيس النادى الأهلى السابق ورجل الإعلانات الأول وقتها، مازال قيد التحقيق فى بقايا قضايا فساد لا يُراد لها أن تغلق – ود. حسن مصطفى رئيس الاتحاد الدولى).. هل تذكرون الشلة التى كانت تتحكم فى مصير الرياضة فعليا فى عهد الرئيس مبارك وفقاً لمصالحها الخاصة ومكاسبها الذاتية وكانوا يملكون توجيه الصحافة ويشترون الضمائر بالمناصب والهدايا أو يرهبونهم بسلاح التشهير فى الصحافة؟!.

والشلة ليست مجرد أشخاص، بل هى فكرة فساد عظيمة يتم توريثها للأجيال التالية، رجال هذه الشلة والفكرة ووَرَثتها اختفوا فى جحورهم لفترة وجيزة وعادوا للظهور مرة أخرى وامتلاك زمام الحياة الرياضية بمساعدة وزير رياضة سابق، جهز لهم التربة بقانون معيب غافل فيه الدولة الجديدة وكبار مسؤوليها، وجاء برئيس لجنة أوليمبية ضعيف فى إدارته مأمور فى قراراته، ليسيروا شؤون الكرة والرياضة وفقاً لمصالحهم فى ظل صحافة وإعلام يحمون تلك الأفكار، ويدافعون عن وجود هذه الوجوه، ويبقى الشعب مفعولاً به، ويساق إلى قضايا وهمية مثل سفر الفنانين لروسيا ورحيل أو بقاء كوبر وحركة سعد سمير المشينة.

هناك ثلاثة أحداث فاصلة كاشفة وقعت كإنتاج لهذا المناخ الرياضى والكروى الملوث بالفساد والذى تعلو فيه قيمة المصالح الخاصة على المصلحة العامة.. ودققوا فيما سأقوله، لأنه سيكشف بشكل واضح وضوح الشمس كيف أفسد هؤلاء فرص المنتخب فى تقديم أداء مشرّف ورجولى نعتز به حتى ولو خرجنا من الدور الأول.

الحدث الأول: هل يختلف أحد فى العالم، ومصر بطولها وعرضها، على أن النجم محمد صلاح الفذ فى الموهبة والخلق هو القوة الضاربة للمنتخب، فهو أحسن لاعب فى الدورى الإنجليزى، أقوى دوريات الكرة فى العالم على الإطلاق، وهو لقب لو تعلمون عظيم، ولا يصل لمرتبته أحد إلا بمجهود جبار وبعد منافسة مع أشاوس الكرة فى العالم، وهو أيضاً الحائز على الكرة الذهبية كأحسن لاعب فى أفريقيا، وهتاف (مو صلاح) يرعب أى منتخب فى العالم.

تصوروا لاعباً بهذه القيمة والقدر يفقده المنتخب نفسياً وعصبياً بسبب حماقة اتحاد الكرة الذى أعلى قيمة المصلحة الخاصة للشركة الراعية على حق اللاعب فى مناخ آمن ومحترم داخل منتخب وطنه، فما حدث فى قضية محمد صلاح واغتصاب اتحاد الكرة للحقوق الإعلانية للشركة المتعاقد معها اللاعب خارج مصر هو تجسيد لمناخ الهبش والتهليب والبلطجة على الحقوق، والمهندس هانى أبوريدة والذى من المفترض أن يوفر للمنتخب ولاعبيه المناخ الصحى، للأسف كان طرفاً منحازاً للشركة الراعية ورئيسها، وهو لمن لا يعلم ابنه المدلل الذى أقحمه للتسويق الرياضى وأعطاه فرصا خاصة لاحتكار رعاية الأندية، حتى صعد وأصبح حوتاً، ولكن الحوت وصاحبه تضاءلا أمام ضغط القانون الدولى الذى لا يرحم من يغتصب الحقوق، وأجبرت الشركة على رفع صورة محمد صلاح من على الطائرة، وهى الأزمة التى شتتت تركيز اللاعب ودفعته لكتابة تويتة قال فيها: «بكل أسف.. طريقة التعامل فيها إهانة كبيرة جدًا.. كنت أتمنى التعامل يكون أرقى من كده».

هكذا تعامل اتحاد الكرة ورئيسه مع أحسن لاعبى العالم، فالمصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة وأكبر من المنتخب، فهم (أقصد مسؤولى الاتحاد) يمنّون علينا بصعود المنتخب للنهائيات، وأننا شعب لا يحمد الله على ما أتاه من نعمة على أيديهم الكريمة، وأن من حقهم أن يحلبوا ضرع بقرة هذا الإنجاز حتى تخرج دما.. ولكن الدم لم يأت من البقرة بل خرج من عروقنا – نحن الشعب المصدوم – من أداء منتخب كان يمكن أن يقدم ما هو أفضل.

بالمناسبة.. وزير الشباب السابق ومهندس توطين هذا المناخ وهؤلاء المسؤولون فى مقاعدهم لم يحركوا ساكناً تجاه الأزمة التى استغرقت أكثر من شهر يعانى فيها اللاعب أزمة نفسية ومشكلة تعاقدية، إلا بعد تدخل من أعلى توجيه.

وهنا سيتبادر سؤال لذهن القارئ الكريم: «لماذا نحمّل المسؤولية كاملة لشخص رئيس الاتحاد، وأين باقى أعضاء اتحاد الكرة، ولماذا لم يثُر أحدهم للحفاظ على وحدة المنتخب وصيانة حقوق أقوى لاعبيه؟».. الإجابة سهلة وبسيطة: هناك أربعة من المجلس يعملون فى القناة الرياضية التى تملكها الشركة الراعية، وإذا خرج أحدهم عن السياق المرسوم له سيخرج من الجنة (!).

يا عزيزى: إنها المصالح الشخصية واتباع المنهج القويم لشلة الغردقة. إلا أن الطمع فى الحقوق والسعى لحلب البطولة لم يقف عند محمد صلاح، فهذا الأمر انعكس على باقى اللاعبين وأراد بعضهم أن يحلب هو الآخر من البقرة، لذا تراهم داخل معسكر المنتخب تحولت غرف نومهم إلى استوديهات تصوير لتصريحاتهم لقناة عربية مقابل آلاف الدولارات، واللاعبون تحولوا إلى مصورين ومخرجين لبعضهم البعض، وكل هذا يتم بمعرفة مسؤولى الاتحاد والمنتخب الذين غضوا الطرف عن حقوق القناة صاحبة الحقوق من أجل (سبوبة على الماشي) لبعض اللاعبين.

الحدث الثانى: من هو أفضل لاعب فى الدورى المحلى والذى يُعزَى له قيادة فريقه للفوز ببطولة الدورى؟

جميعنا سنقول الإجابة فى نَفَس واحد: عبدالله السعيد.. فبعد أن فقدنا محمد صلاح «نفسياً وذهنياً»، وأشعرناه بالإهانة- كما قال- جاء الدور على ثانى أهم لاعب فى منتخب مصر، وهنا ننتقل إلى نوع آخر من الفساد الإدارى الذى تعيشه الكرة المصرية واختلال القيم والمبادئ، فكما تعلمون عبدالله السعيد ينتهى عقده مع الأهلى بنهاية الموسم السابق، وهى معلومة ثابتة لدى مسؤولى الأهلى ورئيسه محمود الخطيب، الذى سعى منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية لتجديد عقده هو وزميله أحمد فتحى، إلا أن طلبات اللاعبين كانت عالية، ووصلت إلى مليون دولار فى الموسم، أى ما يقرب من ١٨ مليون جنيه. وبرر اللاعبان المغالاة فى طلبهما بأمرين: الأول أن النادى الأهلى اشترى صلاح محسن، لاعبا ناشئا لم يعرف طريقه للمنتخب بعد، مقابل ٣٨ مليون جنيه (وهو رقم خرافى دمر أسعار اللاعبين فى مصر ورفعها الأهلى بشكل مجنون) فلماذا لا يدفع لهما نصف هذا المبلغ؟ إلا أن الخطيب أخذته العزة بالإثم وأصدر بيانا يحذر فيه اللاعبين إما التوقيع وإما (….)، وعندما لم يستجب اللاعبان أطلقت الإدارة نعيق غرابها القبيح العجوز ليقلب الجماهير عليهما باعتبارهما خائنين ومرتدَّين عن القلعة الحمراء!. إلا أن اللاعبين لم يهتزا وأصرا على موقفيهما بعقد يوازى ما يدفعه النادى فى لاعب ناشئ. أضف إلى ذلك وجود عروض خليجية لاحترافهما بأكثر من المبلغ المعروض للتجديد.. ولكن عبدالله السعيد الذى وجد العنجهية والتعالى والصد من إدارة الأهلى فى التفاوض، والتهديد بإفساد العروض الخليجية قادته قدماه لإغراء مرعب ومذهل من الزمالك بعقد يزيد على ٢٠ مليون جنيه فى السنة، وهو الآخر قدم العرض مقتدياً بالأهلى الذى اشترى لاعبا ناشئا بـ ٣٨ مليونا.. فلماذا لا يتعاقد الزمالك مع أحسن لاعب فى الدورى المحلى بـ٤٠ مليون جنيه؟!

ولكن إدارة الأهلى الجديدة القديمة والعتيقة فى أفكارها والتى تهتم بالاتجار بالمبادئ أكثر من تطبيقها خشت أن يكون انتقال عبدالله السعيد نقطة تقلب الجماهير عليها، وهى التى باعت لهم عودة روح الفانلة بعودة الوجوه القديمة والأفكار التقليدية.. وهى فى سعيها لحل المشكلة والخروج من المأزق ارتكبت جريمة أكبر هزت أركان وقواعد الأصول المتعارف عليها، عندما استعان الخطيب بطرف خارجى منحه رئاسة شرفية للنادى بعد تنصيبه بشهر واحد، وهو السيد تركى آل شيخ، وزير الرياضة والشباب السعودى، (حيث اعتذر الوزير السعودى بعدها عن الرئاسة الشرفية لخلاف غير محدد الأسباب)، ليحضر المسؤول السعودى إلى القاهرة ويجتمع مع عبدالله السعيد فى غرفة جهاز الكرة، وفى حضور الخطيب والمدير الفنى ومدير الكرة فى مشهد لن يمحى من ذاكرة الأهلوية الذين كانوا يتباهون باستقلالية قراراتهم وقوة رموزهم وصرامة الشخصية الإدارية، ليوافق اللاعب على تجديد تعاقده مع الأهلى.. مع وعد من المسؤول السعودى بحل مشكلة تعاقده مع الزمالك. ويُذكر أن نفس المسؤول قد حل أزمة اللاعب أحمد فتحى فى الليلة السابقة.

وبغض النظر عن الخلل المذهل فى أسلوب الإدارة الجديد للأهلى، فهذا الأمر سنتحدث عنه تفصيلا فيما بعد، إلا أن أزمة أهم لاعبى المنتخب وهو يستعد لبطولة كأس العالم ويحتاج إلى تركيز وراحة نفسية، لم تتوقف عند توقيعه للأهلى، فبعد أن حقق بابا نويل السعودى طلبات الخطيب، عاد الأهلى ورفض استمرار اللاعب مع الفريق، بدعوى أن الجماهير لن تقبل وجوده بعد أن باع اللاعب فريقه ووقع للمنافس، وهو موقف يوضح حجم الخلل النفسى والعصبى الذى تدار به اللعبة فى أكبر الأندية.. فهو الذى لهث لتوقيع اللاعب واستعان بطرف خارجى لحل أزمة عجزت الإدارة عن حلها، ولكن تغليب المصالح الخاصة والنعرات (الكدابة) على احترام العقود ومصلحة المنتخب وضعت عبدالله السعيد، أهم لاعب فى المنتخب، فى ورطة وشردته للعب فى (فنلندا) بمساعدة المسؤول السعودى أيضاً.

ومن هذا يتضح أن أهم لاعبين فى المنتخب: «محمد صلاح وعبد الله السعيد» وقعا فريسة لمناخ فاسد، وإدارات ضعيفة، ومسؤولين عاجزين يضحون بأبنائهم مقابل البقاء على مقاعدهم والحفاظ على صورتهم أمام الرأى العام، أما المنتخب ومصلحة الجماعة والإدارة النزيهة والمحترفة فى معالجة المشاكل، فهذا أمر لا يدخل ضمن أولوياتهم.

الحدث الثالث: من هو العقل المفكر للمنتخب والرجل الأول الذى قادنا بفكره ورؤيته الفنية وصعد بنا الى كأس العالم بعد غياب دام ٢٨ عاماً متصلة؟

كلنا سنجيب فى نَفَس واحد: إنه المدرب الكبير «كوبر».

ونأتى للسؤال الثانى: ماذا كان يفعل كوبر قبل البطولة؟ وكيف استعد لهذا الحدث الجلل الذى ينتظره المصريون؟

الإجابة (لامورى فى زورى).. وهو التعبير الذى كان يطلقه رامز جلال فى استهلالية برنامج المقالب «رامز تحت الصفر»، وهو برنامج ثقيل الظل (من وجهة نظرى)، فيه استخفاف بعقلية المشاهد، لا يقل عن استخفاف بعض الإعلام والصحافة والمحللين بخروجنا من كأس العالم، فالمدرب والقائد كان طوال شهر رمضان، وهو الشهر الذى سبق المشاركة فى المونديال مباشرة، محل سخرية واستهزاء من الشعب المصرى ومعه مجدى عبد الغنى عضو مجلس الإدارة ورئيس بعثة المنتخب قبل أن تسحب منه بسبب معركته على حيازة ملابس للمنتخب ليست من حقه، ومعهما مجموعة من اللاعبين شاركوا فى هذه التمثيلية السخيفة، وكان اهتمامنا بظهورهم وإتقانهم لتمثيل المقلب أكثر من اهتمامنا بمتابعة أحوال المنتخب، وهم أنفسهم كانوا فى المعسكر يتابعون البرنامج، والموضوع الغالب على أحاديثهم الجانبية والمبالغ التى تقضاها المدرب للموافقة على الظهور بهذا الشكل الساخر المستفز والمبلغ الذى حصل عليه كل لاعب شارك فى هذا المقلب السخيف. «كوبر» وهو يظهر بهذا الشكل المزرى لم يكن ليحطم صورته أمام الرأى العام بل أمام اللاعبين، فإذا كان هذا هو القائد يلهث خلف الحملات الإعلانية والبرامج لابتزاز الحدث والحصول على أكبر فائدة مادية، فلماذا لا يفعل ذلك وهو يرى اتحاد اللعبة يدمر أهم لاعب فى مصر والعالم ويسلب حقوقه المستقر عليها؟!.

المصيبة أن ما حدث تم بمعرفة ومباركة اتحاد الكرة، ولم يكن المدرب أو اللاعبون سيشاركون فى هذا المقلب السخيف وتلك الحملات الإعلانية لولا أن الاتحاد ترك لهم الحبل على الغارب، وتحول اللاعبون لسلعة للمتاجرة فى يد صاحب دكان الرعاية. فحالة التسيب والاستهتار والسعى لتحقيق أعلى مصلحة مادية هى التى غلبت على المنتخب ومعسكره منذ بداية فترة الإعداد، وتجلت المسخرة والإدارة الفاسدة حين تم بيع التذاكر فى السوق السوداء داخل فندق المنتخب قبل مباراة روسيا.. وهنا الاتهام مفتوح ويطول الجميع، فعضو مجلس الإدارة المسؤول عن التذاكر قال بلسانه إن الاتحاد حصل على ٥٠ تذكرة مجانية للمباراة واشترى ألف تذكرة من اللجنة المنظمة لبيعها لأسر اللاعبين وأصدقاء أعضاء الاتحاد.. إلى هذا الحد وصلت المسخرة والتسيب داخل معسكر المنتخب؟!!.

والتسيب هنا ليس خطأ إدارة منتخب أو رعونة مدرب أو سوء تقدير مسؤولين.. ولكن إذا دققنا وأعدنا قراءة ما أوردته سلفاً ستجدها أسلوب إدارة رياضية وكروية طاعنة تتنفس الفساد وتتكسب منه الملايين والشهرة، وتحيط نفسها بسحابة إعلامية تحميها وتعمى الناس عن رؤية فسادهم، وإذا استمر الحال سنحقق نفس النتيجة.

فكما يقول أينشتاين: «الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات.. وانتظار نتيجة مختلفة».. وللحق، كلنا تجاوزنا غباء تعريف أينشتاين للغباء ونفعل نفس الشىء عشرات المرات بنفس الأسلوب ونفس الطريقة ونحصل على نفس النتائج.

وهنا سيأتى السؤال: «هذا عن مشكلتنا وسبب كوارثنا الكروية والرياضية.. فماذا عن الحل؟».

الإجابة بسيطة: اختفاء الفساد والفاسدين إدارياً ومعنوياً، وكلهم معروفون، وأسماؤهم مسجلة، ولا يمكن لأحدهم أن يرفع عينيه لأنها (مكسورة)، المهم أن تكون لدى الحكومة الإرادة فى تطهير الرياضة والكرة والاتحادات والأندية واللجنة الأوليمبية.. إلا أن هذا الحل فى حدود ظنى مستحيل لأن الفساد الرياضى دولة تتوارثها الأجيال.. لك الله يا مصر

ولكم الله يا أجيال مصر الوارثين.

-الإعلانات-